الخطة الصهيونية الأصلية لتجزئة البلاد العربية
بقلم سمير القريوتي
مقدمة : كتبت هذه المقالة عام 1994 م ، لم أتمكن من نشرها لأسباب ما زلت أجهلها.عدت إليها مراراً وتكراراً ولم أستطيع التعديل أو الإضافة ، فواقع الأحداث كان يتتابع كأنه شريط من أشرطة سينما المستقبل. مرة واحدة سنة 1999م أضفت بعض الملاحظات لا أكثر ، وكلما دققت بالنص ، كلما أدركت أن ما ورد فيه يتكرس على أرض الواقع مع إقتراب عام 2000، حتى أنني رددت مع نفسي: ” حمى الله العرب وأرض العرب … ألم يتبقى لنا سوى التمني والإبتهال ، أم أننا نستطيع الحركة لمنع الإنهيار ؟؟!!”.
بسبب تطورات ظروفي الحياتية فقدت النص لعدة سنوات ، وعثرت على النسخة الأصلية عام 2010 و قرأته مع أن مياه كثيرة كانت قد جرت تحت الجسر في تلك الفترة بدءاً من غزو العراق ومرورا بحصارغزة وما سمي بالربيع العربي ، تركت النص كما هو وقررت تقاسمه معكم هذه الأيام المليئة بإنعكاسات حرب الإبادة في غزة ولبنان وأترك لكم التقييم .
بعد حرب عام 1967م ، جاء راكضاً من الخليج حيث كان يعمل ، عائداً إلى فلسطين لتفقد الأهل والدار. نزف غضباً وحقداً ووهناً على أبواب مكاتب الصليب الأحمر والانتظار في طوابير المذلة على جسر اللنبي ليجتازه ويتعرض كغيره للتفتيش. حدثني بقية الرواية ذات يوم في الكويت عندما كنا نتناقش بحدة عن الأوضاع الفلسطينية والعربية وقد أبيض الشعر في رأسه من جراء الزمن وأكمل : ” حدق ضابط المخابرات الإسرائيلي في جواز سفري وقال .. آه … أنت من دار الحسيني. إفتح هذه العلبة و تناول قليلاً من التمر وبعربية خالصة أضاف … بعد سنوات سنأكل من تمر مكة … هذا تمر بصراوي … عندما تأتي العام القادم إجلب لنا من تمر مكة وإن نسيت فثق أننا سنأكله في مكة يوماً من الأيام”.
جاءت هذه الواقعة إلى ذهني بعد أن حدث كل ما حدث في المنطقة العربية. وإن كانت واقعة التمر تدخل حتماً في أساليب الحرب النفسية التي عودتنا عليها إسرائيل، فإن المتتبع للأحداث يدرك الآن أكثر من أي وقت مضى بأن كل ما قيل في هذه الحرب النفسية لم يكن وليد المصادفة إنما ينطلق من سياسة واضحة ترتكز على تفكير إستراتيجي لدى إسرائيل التي تعرف ما تريد، وأين ومتى تحصل عليه بالوسيلة التي تراها مناسبة ، بالسلم أوالحرب ، بالمناورة أو القسر.
فإسرائيل قامت أصلاً على خطة مركزة منذ بداية الفكرة الصهيونية في القرن المنصرم، وهي لا تخطو خطوة واحدة للأمام دون معرفة نتيجتها سلفاً. ليس هذا هو المجال الأمثل للحديث عن خطط إسرائيل وتخطيطها ، إنما عن بعض هذه الخطط أو تلك التي نعيش اليوم آثارها و كثيرون يعتقدون أنها وليدة سياسات جديدة ووقائع مفاجئة ومدوية غيرت العالم.
ليفيا روكاخ إبنة أول وزير داخلية في الكيان الصهيوني، تركت فلسطين المحتلة وهي شابة وعاشت معظم حياتها في أوروبا، ثم استقرت في إيطاليا وتزوجت من شخصية إيطالية مرموقة، واستقرت فيها، كانت تقدم نفسها على أنها فلسطينية تعتنق الديانة اليهودية لا غير. عندما ألفت ليفيا كتابها الكبير والهام ” إرهاب إسرائيل المقدس” الذي نشر بالعربية وعدة لغات أخرى في نهاية السبعينيات ، قالت لي لأكثر من مرة : ” انتبهوا لما يكتبه إسرائيل شاحاك” المهتم بقضايا حقوق الإنسان فهو واسع الإطلاع على السياسة الإسرائيلية وأسرارها، انتبهوا وإلا سيصل الجيش الإسرائيلي إلى بيروت وأنتم ترددون الشعارات الطنانة. وأضافت أن هذا الكلام يؤخذ في غالب الأحيان على أنه كلام صادرعن يهودية لا أكثر. كررت ليفيا هذا التحذير حين إلتقت هي في بيروت مع قادة المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية اللبنانية بحضوري عام 1976 م ، ثم جاء كتابها ليستبق بفترة طويلة أحداث وتحولات كبرى تكرست على الأرض مثل غزو لبنان عام 1982 م ثم مجازر صبرا في نفس العام، حتى أنها لم تحتمل نفسياً ما جرى في صبرا وشاتيلا وإنتحرت في مارس عام 1983م ، بعد أن أكملت كتابا فريداً عن علاقات الفاتيكان مع إسرائيل ، وماتت جراء اليأس من عدوانية الدولة التي خدمت في جيشها وساهم والدها شخصياً في إقامتها.
في تلك الحقبة ، أي اوائل الثمانينيات، إطلع إسرائيل شاحاك على وثيقة سياسية عسكرية رهيبة صدرت بالعبرية بقلم أوديد دينون ولم تجد طريقها إلى النشر باللغة الإنجليزية إلا في شهر أغسطس عام 1982 م تحت عنوان ” خطة إسرائيل في الثمانينات ” وبعدها أي في نوفمبر من ذلك العام نشرت باللغة العربية ونقلاً عن مجلة الثقافة العالمية التي تصدر في الكويت أي عندما كان العرب يعيشون صدمة الغزو الصهيوني للبنان.
الدكتورعبد المالك خلف التميمي إستعان بهذه الوثيقة في كتابه ” الإستيطان الأجنبي في الوطن العربي ” ، وناشد هذا الأستاذ بكل قواه جميع القادة العرب دراسة الوثيقة بتمعن والرد على إسرائيل ” بعمل جماعي موحد ولو إلى حين” ، لكن الحكومات العربية كما عودتنا، لا تقرأ ولا تدرس ولا تتمعن سوى فيما يخص أمن الأنظمة وإستقرارها مع أن هذه الخطة تهدف إلى تقويض هذه الأنظمة مع دولها وتفتيت العالم العربي إلى دويلات خاضعة لهيمنة إسرائيل.
في التوطئة التي كتبها شاحاك عند ترجمته لهذه الوثيقة ،نشر تفاصيل هامة تحت عنوان – الخطة الصهيونية للشرق الأوسط – وأشار فيها إلى أن حزب العمل الحاكم حالياً في إسرائيل تبنى شعار المحراث بيد والسيف في اليد الأخرى، وجعل من هجرة اليهود إلى فلسطين – قدس الأقداس – التي تدعو إليه التوراة، ثم جاء حزب الليكود إلى السلطة ليجعل من الهجرة والاستيطان معاً قدس أقداس التوراة.
ويضيف شاحاك: ” هدف كاتب الوثيقة كان واضحاً تماماً، وهو هدف حقيقي للمؤسسة الإسرائيلية أي تحويل إسرائيل إلى قوة عالمية وخداع الأميركيين بحكاية مواجهة السوفييت آنذاك وقد تكون الوثيقة مجرد أوهام لكن لا ينبغي النظر إليها كما لو كانت غير ذات تأثير أو أنها غير قابلة للتحقيق لبعض الوقت، وهي تتبع بأمانة أفكار الجيوبوليتيك التي سادت في ألمانيا بين عامي 1890 م و1933 م والتي إبتلعها هتلر والحركة النازية لتحقيق أهدافهم في أوروبا الشرقية وجرى تنفيذها ما بين عامي 1939 م و1941 م وما منع تعزيزها إلا تحالف عالمي واسع وذلك لفترة من الزمن “.
و عقب الدكتور التميمي على الوثيقة بقوله : ” هذه الوثيقة هي الخطة المفصلة والدقيقة للنظام الصهيوني الحالي للشرق الأوسط وهي قائمة على تقسيم المنطقة بأكملها إلى دويلات صغيرة وإنهاء جميع الدول العربية القائمة. ويكفي النظر إلى ما كتبه يوم 2 حزيران 1982 م المراسل الحربي لجريدة هآرتس زئيف شيف أكثر الناس إطلاعاً في إسرائيل على هذه الأمور، حول ما يمكن أن يحدث في العراق، أي ما يحقق مصالح إسرائيل، وذلك بتجزئة العراق إلى دولة شيعية وأخرى سنية وفصل المنطقة الكردية عن بقية العراق”.
ماذا تقول هذه الوثيقة والتي يبدو أنها صيغت لحقبة الثمانينيات وطبقت لتعطي ثمارها في حقبة التسعينيات التي نحن في نصفها الأول؟ اخترنا مقتطفات أساسية من الخطة الصهيونية و الوثيقة التي نوردها بتلخيص مرن وفقا لنصها الأصلي، وتحتاج إلى عناية في القراءة لإستيعاب معانيها ومجمل أبعادها:
أ)) تحتاج دولة إسرائيل مع بداية الثمانينات إلى منظور جديد بالنسبة لموقعها وأهدافها ومراميها القومية. نحن نعيش اليوم المراحل الأولى لفترة زمنية جديدة في التاريخ الإنساني لا تشبه إطلاقاً الفترة الزمنية التي سبقتها وتختلف في خصائصها عن كل ما عرفناه حتى الآن. نحن بحاجة إلى فهم العمليات المركزية التي تميزهذه الفترة وإلى نظرة عالمية و إستراتيجية جاهزة للعمل طبقاً للظروف الجديدة.
ب)) كان من الممكن أن نجنب أنفسنا كل الصراع المرير منذ عام 1967 م وما بعد، لو أننا أعطينا الأردن للفلسطينيين الذين يسكنون غرب النهر. لوعملنا ذلك لكنا قد قمنا بتحييد المشكلة الفلسطينية التي نواجهها اليوم والتي وجدنا لها حلولاً هي ليست من الحلول في شيء مثل الحلول الوسط المتعلقة بالأراضي والحكم الذاتي وهي الحلول التي تصل إلى النتيجة ذاتها. اليوم نجد أنفسنا في مواجهة فرص هائلة تمكننا من تحويل الموقف كلية وهذا ما ينبغي علينا عمله في العقد القادم وإلا فلن يكتب لنا البقاء كدولة.
ج)) أسطورة مصر الزعيمة القوية للعالم العربي جرى تحطيمها في الماضي عام 1956 م والواقع أن قوة مصر بالنسبة لكل من إسرائيل وحدها، وبالنسبة لبقية العالم العربي قد انخفضت إلى ما يقرب من خمسين بالمئة منذ عام 1967 م . مصر لم تعد القوة السياسية القائدة في العالم العربي وأصبحت إقتصادياً على حافة الأزمة. مصر في وضعها السياسي الحالي أصبحت بالفعل مجرد جثة ويزيد في تكوين تلك الصورة اذا ما اخذنا بعين الاعتبار الإنقسامات المتزايدة بين المسلمين والمسيحيين. إن تجزئة مصر إقليمياً إلى مناطق جغرافية متميزة هو الهدف السياسي لإسرائيل في الثمانينيات على جبهتها الغربية. إن مصر مقسمة إربا إربا إلى عدة مراكز قوى، وإذا تجزئت مصر فإن بلاداً مثل ليبيا والسودان وحتى الدول الأكثر بعدا عنها لن يكتب لها البقاء على صورتها الحالية وستلحق بمصر عند سقوطها وإنحلالها، والرؤيا المتمثلة في دولة قبطية مسيحية في صعيد مصر بجانب عدد من الدول الضعيفة ذات قوى محلية وبدون حكومة مركزية مثل ما هي الحال الآن، هذه الرؤيا هي المفتاح لتطور تاريخي أصيب بنكسة من جراء إتفاقيات السلام ( كامب ديفيد) ولكنه يبدو حتمية على المدى البعيد.
د)) تجزئة سوريا والعراق في مرحلة لاحقة إلى مناطق عرقية أو دينية خالصة كما هو الحال الآن في لبنان هو الهدف الإسرائيلي الأولي على الجبهة الشرقية وعلى المدى البعيد. كما أن إنهاء القوة العسكرية لهذه الدول يعتبر الهدف الأول لإسرائيل على المدى القريب.
ه)) ستتقسم سوريا إلى عدة دول طبقاً لبنيتها العرقية والدينية وبذلك ستكون هناك دولة شيعية علوية على طول الساحل السوري ، ودولة سنية في حلب ودولة سنية أخرى في دمشق معادية لجارتها في الشمال ودولة درزية ربما في الجولان المحتلة ولكن المؤكد أن هذه الدولة ستكون في حوران وشمالي الأردن. وهذا الوضع هو الذي سيكون الضمان للسلام والأمن في المنطقة على المدى البعيد، وهذا الهدف غداً هو اليوم ضمن ما نستطيع الوصول إليه.
و)) العراق بما فيه من ثروة نفطية من ناحية وما فيه من تمزق داخلي من ناحية أخرى، قد أصبح مرشحاً مضموناً لأهداف إسرائيل. تجزئته أمر أكثر أهمية لنا من تجزئة سوريا، فالعراق أقوى من سوريا وعلى المدى القريب فإن القوة العراقية مكمن تهديد أكبر لإسرائيل. إن حرباً إيرانية عراقية سوف تمزق العراق إلى أجزاء وتؤدي إلى سقوطه داخلياً حتى قبل أن يصبح قادراً على تنظيم نفسه وتنظيم صراع واسع النطاق ضدنا. وكل نوع من أنواع المجابهة الداخلية بين العرب سوف تساعدنا على المدى القريب وسوف تختصر الطريق إلى الهدف الهام المتمثل في تقسيم العراق الى طوائف. أما تقسيم العراق إلى دول حول البصرة وبغداد والموصل فأمرممكن وسوف تنفصل المناطق الشيعية في الجنوب عن السنة والأكراد في الشمال.
ز)) شبه الجزيرة العربية بأكملها مرشح طبيعي للتجزئة نتيجة لضغوط داخلية وخارجية، وهذا أمر حتمي وخاصة السعودية، وبغض النظر عما إذا كانت قوتها الاقتصادية القائمة على النفط ستظل على حالها لا تمس أوستتقلص على المدى البعيد فإن الانشقاقات الداخلية والإنقسامات في تطور واضح وطبيعي على ضوء البنية السياسية الحالية.
ح)) الأردن يشكل هدفاً إستراتيجياً مباشراً على المدى القصير ولكن ليس ذلك على المدى البعيد لأنه لا يشكل خطراً حقيقياً على المدى البعيد وذلك بعد تجزئته وإنهاء حكم الملك حسين الذي طال وإنتقال السلطة إلى الفلسطينيين. ولا توجد أية فرصة أمام الأردن ليستمر في البقاء على بنيته الحالية لزمن طويل وسياسة إسرائيل ، سواء كان ذلك في الحرب أو السلام ينبغي أن توجه نحو تصفية الأردن في ظل نظام حكمه الحالي ونقل السلطة إلى أيدي الأغلبية الفلسطينية. ثم أن تغيير النظام الحاكم شرقي النهر سيتسبب أيضاً في إنهاء مشكلة الأراضي المأهولة بكثافة بالعرب غربي نهر الأردن. سواء كان ذلك بالحرب أم بشروط السلام، سواء عن طريق التهجير وتجميد الوضع الاقتصادي السكاني في تلك الأراضي، فإن ذلك كله يشكل الضمانات للتغيير القادم على جانبي النهر. علينا أن نعمل بنشاط لتصعيد هذه المسيرة في المستقبل القريب جداً.
ط)) إعادة التوازن في إسرائيل سكانياً وإستراتيجياً وإقتصادياً هو أعظم الأهداف وأكثرها مركزية بالنسبة لنا. والسيطرة على المياه الجبلية من بئر السبع حتى الجليل الأعلى هو الهدف القومي. نحن بحاجة إلى التحول الإقتصادي من الإقتصاد المركزي إلى السوق الحرة والمفتوحة.
منذ إعلان هذه الخطة (مطلع عام 1980 م) وحتى اليوم حدثت تطورات في المنطقة إن لم تكن كلها في صالح إسرائيل فإن القسم الأعظم منها ذهب باتجاه المصالح الإسرائلية وضد المصالح العربية الفلسطينية، وإن كانت إفرازات حرب الخليج الثانية ما زالت تلقي بثقلها علينا جميعاً، فإن الواقع الذي تكرس بعدها يشير إلى أن هذه الخطة الصهيونية قائمة سواء أدارها حزب الليكود أم حزب العمل وسواء كانت إتفاقيات السلام من النمط الليكودي أو العمالي أي مثل كامب ديفيد و أوسلو او واي بلانتيشين. تناوب الأدوار بين هذين الحزبين واضح وهو من بديهيات الصراع العربي الإسرائيلي الذي لم ينتهي البتة بإتفاقيات السلام الأخيرة وما تبعها من إتفاقيات جزئية، لم تنفذ البتة من جانب نتينياهو الذي يستعد لإنتخابات مايو 1999 م بتكثيف الإستيطان وإقتحام مناطق السلطة الفلسطينية في حال أعلن الرئيس ياسرعرفات الدولة الفلسطينية. نشير هنا إلى أن حقبة التسعينات الراهنة شهدت الكثير من الأحداث العالمية المثيرة مثل إنهيار المنظومة الإشتراكية و مؤتمر مدريد للسلام وبدايات تشكل النظام العالمي الجديد وحالة الوهن العربية، نهب الثروات الطبيعية العربية وغياب ما كان يسمى بالحد الأدنى من التضامن العربي، وحرب البوسنة والهرسك وحرب كوسوفو التي إندلعت في مارس 1999م .
معظم هذه الوثائق تجد في الخطة الصهيونية آنفة الذكر(لم نتطرق لكل ما ورد فيها عن الاتحاد السوفياتي السابق ومواجهته إسرائيلياً ). واذا ما لخصنا بعض المفاهيم السياسية الواردة فيها فبوسعنا القول أن أهداف إسرائيل الرئيسية وثوابتها المركزية ما زالت كما هي:
تجزئة البلدان العربية وإحداث إنفجارات دينية وعرقية وقبلية فيها والسيطرة عليها كقوة عالمية تقودها حكومة عالمية . خريطتا لبنان والعراق اليوم أمام الجميع وبدايات تكريس التجزئة على أرض الواقع آخذة بالتحقق، لكن تبقى هناك بعض الحقائق المرتبطة بالخطة التي ينبغي تحليلها لنتعرف على النتائج الراهنة التي نلمسها اليوم وتلك المستقبلية الناجمة طبعاً عن الخطة الإسرائيلية للسيطرة على الشرق الأوسط .
نود التركيز على بعض المفاهيم والمؤشرات الواردة في الخطة وربطها بمفاهيم وطروحات السياسية الدولية بعد حرب الخليج الثانية والتي نلخصها في مصطلح بات رائجاً جداً ألا وهو مصطلح أو مفهوم – الحكومة العالمية – ( مجلس الأمن الدولي أم الأمم المتحدة ككل ؟؟) و النظام العالمي الجديد والفترة الزمنية الواردة في بنود الخطة لاتمام هذه السيطرة على الشرق الأوسط .
في منتصف القرن التاسع عشر ظهرت ستة أديان جديدة في العالم لا تفصل بينها سوى سنوات قليلة مثل البابية والبهائية والقديانية في أوساط المسلمين في إيران والهند والصين ، ثم شهود يهوه والإنجيلية الأصولية والماسونية في الغرب المسيحي خاصة في بريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا ( إن الإشارة هنا إلى بعض الحركات مثل الماسونية والبهائية ، هو مجرد عنصر بحثي صرف لا علاقة له بإطلاق أحكام من أي نوع إتجاه هذه الحركات ولا التعبير عن موقف إتجاهها ، إنما يتضمن توضيحا تاريخيا لمفهوم ” العصر الألفي السعيد” و مفهوم “سيطرة اليهود على العالم سنة 2000 ” والتي نحن بصدد إستقبالها إيذاناً بالألفية الثالثة).
تتجه هذه الأديان بأنظارها نحو عام 2000 على أنه بداية ” عصر العصور ” أو ” العصر الألفي السعيد ” ، الذي تطبع فيه السيوف سككاً والرماح مناجل ، لا ترفع أمة على أمة سيفاً ولا يتعلمون الحرب فيما بعد ( سفر اشعيا في التوراة ) . كما تتوقع هذه الأديان قيام نظام عالمي جديد وحكومة عالمية وربما حرباً كونية يسمونها ” معركة هرمجدون ” قد تكون تلك التي ستؤدي إلى تفتيت العالم إلى 400 دولة على حد قول أمين عام الأمم المتحدة الدكتوربطرس بطرس غالي.
أول من تحدث عن النظام العالمي الجديد هو الصهيوني باروخ ليفي الذي كتب في الأول من حزيران / يونيو عام 1928 م يقول : ” في التنظيم الجديد للبشرية سينتشر بنو إسرائيل في كل أرجاء الدنيا وسيصبحون العنصر القائد في كل مكان بدون منازع، وسيحظرالحكام اليهود الأملاك الفردية بعدما يسيطرون في كل مكان على جميع الموارد المالية العامة.بهذا يكون قد تحقق وعد التلمود لأن يملك اليهود مفاتيح ثروات العالم. ( راجع كتاب اليهود لزهدي الفاتح ص 101).
ويوم 22 آب / أغسطس عام 1986 م قال فيرناندو سانث أحد أعضاء بيت العدل البهائي لجريدة المسلمون الصادرة في لندن بالحرف الواحد : ” انه في عام 2000 م فإن السلام الأصغر سيحصل والبلاد المختلفة ستتوحد أولا بشكل إمارات كونفيدرالية وبعد ذلك تتكون الأمة العالمية الواحدة ” و قبله في 28 نوفمبر 1931 م ، كتب شوقي أفندي الخليفة الثاني لمؤسس البهائية ما يلي : ” الهدف هو نظام عالمي جديد وشكلا من اشكال الحكومة العالمية يكون له حق فرض الضرائب وتحديد السلاح واقتصاره على حفظ الأمن الداخلي وضمن حدود سياسته ، وستكون هناك محكمة عليا ملزمة للفرقاء المعنيين “. ونسى زعيم البهائية ومقرها حيفا في فلسطين المحتلة تفسير وطبيعة الضرائب التي ركز على أهميتها.
عندما اعلن الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الحرب على العراق في السابع عشر من يناير 1991م كان يجلس الى جانبه في البيت الأبيض القس بيلي غراهام ، المبشر الإنجيلي الأصولي وأحد مروجي نظرية العصر الألفي السعيد وقال بوش أن نظاما عالمياً جديداً ولد ذلك اليوم ، ثم إلتفت الى القس غراهام وسأله عن رأيه فأجابه هذا … ممتاز … ممتاز.
وعقب إنتهاء الحرب ضد العراق قال بوش في السابع عشر من مارس 1991 م : ” وحتى الآن كان العالم الذي نعرفه منقسماً إلى عالم الأسلاك الشائكة والاسمنت وعالم الصراع والحرب الباردة. والآن نستطيع أن نرى عالماً جديدا آخذاً في التبلور، عالما تتأهب فيه الأمم المتحدة بعد أن تحررت من جمود الحرب الباردة لتحقيق الرؤيا التاريخية لمؤسسيها”. ( يوم 16/8/1948 م صرح دافيد بن غوريون لمجلة تايم الأميريكية أن فكرة هيئة الأمم المتحدة هي فكرة يهودية خالصة ).
وأضاف بوش: ” لقد وضعت حرب الخليج هذا العالم الجديد أمام أول إمتحاناته ويا اخواني الأميركيين لقد نجحنا في الإمتحان “. وعندما أدرك عراب النظام العالمي الجديد والمعاصر ، هنري كيسنجر أن بوش سينهزم في إنتخابات الرئاسة ، توجه بموعظة منمقة إلى منافسه بيل كلينتون وذلك يوم 3/11/1992 م وقال : ” كلينتون أمام فرصة الترشح إلى موقع لم يخطر على باله، أن يتذكره التاريخ بوصفه الرئيس الأمريكي الذي وضع معمار النظام العالمي الجديد إن هو استطاع أن يحل بعض المشكلات التي تقف عائقاً أمام هذا النظام كمستقبل الاتحاد السوفياتي السابق ومستقبل حلف الأطلسي ومستقبل العلاقات مع الصين ومستقبل نصف الكرة الغربي والأصولية المنبعثة من إيران وقضية البوسنة”.
تنظيم جديد للبشرية، نظام عالمي جديد، حكومة عالمية، هيئة أمم متحدة، كلها تعبيرات عن حقيقة تكرست بعد تدمير القوة العراقية وهي أن الولايات المتحدة تقبض على مقدرات مجلس الأمن الدولي الذي يتبع على الصعيد العملي للبيت الأبيض والبنتاغون فيما يشبه الحكومة العالمية التي يقبض عليها اللوبي اليهودي الأميركي . إنها حكومة عالمية تنفذ ما تريد سيما منذ انتخاب الدكتور بطرس بطرس غالي على رأس المنظمة الدولية والذي سبق له أن طالب بهذه الحكومة العالمية في كتاب ألفه سنة 1962 م ، والذي دعا بعد إنتخابه إلى تشكيل جهاز مخابرات خاص بالأمم المتحدة وقوة إنتشار سريع توضع تحت تصرف مجلس الأمن الدولي، أي نفس الدكتور بطرس بطرس غالي الذي لا يؤمن شخصياً بأي إنتماء وطني أو قومي أو إقليمي أو ديني بل بضرورة إرساء قواعد الحكومة العالمية وفق ما عرف عنه خطاباته وكتاباته.(1)
من يدقق في الأدبيات الصهيونية واليهودية بشكل عام يدرك أن أصحاب النظام العالمي الجديد ، القدماء والمعاصرون، آثروا إحاطة نظامهم بالسرية والغموض وإتخذوا لغة الرموز للتعبير عنه بناء على توجيهات سفر دانيال من التوراة : ” أما أنت يا دانيال فاخف الكلام واختم السفر إلى وقت النهاية 12:4 ” (2)
لقد تجنبنا في وثيقة المخطط الصهيوني للإستيلاء على الشرق الأوسط التعرض إلى الركيزة الأولى فيها وهي الواجبات المزعومة لإسرائيل لمجابهة الإتحاد السوفياتي ومحاولاته السيطرة على العالم الثالث، و أوردنا فقط الركيزة الثانية المتعلقة بهدم العالم العربي وتقويضه،حتى أن مترجم الوثيقة شاحاك قال أن ما ورد عن مساهمة إسرائيل إلى جانب الولايات المتحدة في مقاومة الشيوعية السوفياتية هو اكذوبة لا غير، لأن اسرائيل تريد أن تتحول إلى قوة عالمية. وإذا كانت الشيوعية السوفياتية قد سقطت بطريقة مسرحية ومثيرة على يد أمينها العام السابق دون أي رد فعلي وذو مغزى من جانب جيوش المنتفعين من نظام الشيوعية، ومن سحق الشعوب التي كانت تحت النظام الشيوعي بوسائل رأسمالية، ومع أن أجهزة الإعلام الدولية اكتفت بابداء الدهشة أزاء الحدث على جسامته، إلا أنها سرعان ما نشرت حوله ستارا من الدخان والضباب للتغطية على وجود مخطط جهنمي لا بد من استقصائه.(3)
ففي كتابه ” أحجار على الشطرنج” يروي الأميرال وليام غاي كار، بعضاً من مخطط رسمه الجنرال الأميركي ألبيرت بايك أحد معاوني زعيم النهضة الإيطالية جوزيبي مازيني في الفترة 1859م و 1870 م ويقول : ” كان من الأهداف المرسومة لهذا المخطط أن يستمر بناء الشيوعية العالمية ودعمها حتى تصل مرحلة تعادل فيها قوتها مجموع قوى العالم المسيحي الغربي، ويقتضي المخطط اذ ذاك إيقافها عند هذا الحد.حتى يبدأ العمل في تنفيذ المرحلة التالية وهي التمهيد للكارثة الكونية – الثالثة – والنهائية …. ويقضي المخطط المرسوم بأن تقاد هذه الحرب وتوجه بصورة يحطم فيه العالم العربي ومن ورائه الإسلام ذاته”.(4)
وينبغي القول هنا أن الصهيوني المعروف ورئيس وزراء إيطاليا السابق، جوفاني سبادوليني أمضى حياته وهو يكتب ويروج لفكرة واحدة وهي تطابق مضامين ومناهج الحركة الصهيونية مع أفكار مازيني وقادة النهضة الإيطالية ومعظمهم وفق الوثائق التاريخية كانوا من الماسونيين المخلصين.
لو أن “هرمجدون ” الغامضة هذه ظلت هكذا كما هي، لقلنا أنها ربما كانت حرب الخليج الثانية وما أفرزته من كوارث على جميع العرب، بيد أن الوثائق تشير إلى هذا الموقع في منطقة مرج ابن عامر، وقد تكون هرمجدون أو الحرب العالمية الثالثة هي سياسية صرفة ، أي يقصد بها تقويض القومية العربية والعالم العربي وتفجير الإسلام من داخله وإحداث القطيعة بين العرب والغرب ، وبين الإسلام والمسيحية ، و تجويع العالم الثالث وتركيع معظم الدول أمام إرادة البنك الدولي، وتطبيق ما ورد آنفاً أي سيطرة إسرائيل على العالم.
من إيماننا العميق أن الخيال السياسي – فانتابوليتيكا- شيء والواقع شيئاً آخراً ، إلا أن استعراض ما جرى حولنا وأمامنا منذ الوثيقة الإسرائيلية وثيقة أوديد دينون وحتى الاتفاقيات والمصالحات الأخيرة مع اسرائيل يثير الفزع حقا حين ننظر جيدا ونرى:
غزو لبنان واحتلال جنوبه – تدفق الهجرة اليهودية على فلسطين – بداية حصار النضال الفلسطيني – سقوط المشاريع القومية العربية – تفجر الأصوليات الدينية – سقوط الشيوعية – تعاظم العداء للإسلام والعرب – قلاقل مصر وحروب الجزائر – حصار السودان – تدمير العراق – غرق الدول العربية في الديون والفقر وفشل التنمية في معظمها وربما كلها- نهاية التضامن العربي – سطوة مجلس الأمن – فرض الحظر على العراق وليبيا – محاولة إعادة تشطيراليمن – إعتراف الفاتيكان بإسرائيل.
عام 1998 م ،إنعقدت إجتماعات تأسيس المحكمة الدولية في روما ، وشهدنا بأم أعيننا المحاولات التي جرت لفرض هذه المحكمة على العالم برمته لا سيما العالم النامي، وكيف تصرفت الولايات المتحدة بهذا السياق لأنها تريد أن تكون القطب الوحيد في العالم. عدت إلى هرمجدون ذهنياً من قبيل الصدفة لا غير ، عندما شاهدت يافطات كبرى تروج لشريط سينمائي ضخم إسمه (هرمجدون) ، ورواية الفلم تنطلق من هجوم مزعوم على الولايات المتحدة، حيث يجتمع قادة البنتاغون لصد الهجوم، وتظهر فيه صورة الأقصى الشريف بين الفينة والأخرى، والقدس الذي يريد المليارديرالأميركي المتطرف موسكوفيتش إستيطانها وبناء هيكل سليمان فيها على أنقاض أولى القبلتين، وتظهر في الفلم السينمائي لقطات من العراق لتكون المحصلة أن ما يسمى هرمجدون هذه معركة حقيقية هي في ذهن البعض وموقعها هو العالم العربي.
القس بيلي غراهام وصف بينيامين نتينياهو في مطلع عام 1999 م بأنه أحد أبطال التوراة المقاتلين الثابتين ولم ينبس ببنت شفة عن مصير فلسطين والجولان وجنوب لبنان.العدوان على لبنان مستمر،والاحتلال الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية مستمر، والوهن العربي يتزايد بفعل الانهيار المتواصل والمتلاحق.
تحالف إسرائيل مع تركيا وقصة الزعيم الكردي عبدالله أوجلان وحرب كوسوفو التي فجرتها منظمة حلف شمال الأطلسي ناتو تنبع من مقومات الخطة الإسرائيلية.القلق الحقيقي ازاء أحداث كوسوفو يأتي من طبيعة هذه الحرب، فحلف شمال الأطلسي الناتو غير مخول وفق دستوره والقوانين الدولية بشن أي حرب خارج مناطق عمله إلا في حال تعرض أراضي إحدى الدول الأعضاء لعدوان مباشر، لكن إصرار الولايات المتحدة على هذه الحرب ضد يوغسلافيا، يعني أنها تريد تحقيق هدف إستراتيجي آخر، وهو حق حلف ناتو مستقبلاً ممارسة أعمال عسكرية خارج الأراضي التي تشملها صلاحيات عمل الحلف.
منذ عام 1996 م وقيادة حلف شمال الأطلسي تخطط لمواجهة أخطار الإرهاب الأصولي في منطقة المتوسط، وفي ابريل 1999 م ، عند إجتماع قيادة الأطلسي بمناسبة الذكرى الخمسين لتأسيس الحلف، سوف تقر الخطط العسكرية لعمل الحلف خارج أراضيه ومنطقة المتوسط التي تحتضن أخطار الإرهاب الأصولي هي أراضي دول عربية ولا حاجة للإسهاب أو التفصيل.هذا يعني أن الكثير مما ورد في الوثيقة الإسرائيلية قد نفذ بالفعل او هو على طريق التنفيذ.
حتى المبتديء في علم السياسة يدرك اليوم أن المطلوب هو تدمير الجيش السوري بعد العراق وابعاد الجيش الأردني الى الشرق من عمان كشرط لاعادة الجولان او جزءا منها وان السيطرة الإقتصادية الإسرائيلية على كل الشرق الأوسط بما في ذلك تركيا وايران هو الهدف المركزي . وما إثارة اخطار الإرهاب والأصولية الإسلامية بعد احداث الأرجنتين وعمليات التفجير في افريقيا وقصف مواقع بن لادن في أفغانستان وتدمير مصنع الشفاء في السودان الا مؤشر واضح على ما تريده القوة و الحكومة العالمية ، فهل تدرك الحكومات العربية انها مطالبة أمام الله والتاريخ والأوطان والشعوب وأمام ذاتها قبل اي طرف آخر ، بوقفة مراجعة للحال العربي وأن تعي ما يدبر للعرب والإسلام ، وأن تحاول جمع كلمتها ولو على الحد الأدنى قبل ان يفوت الآوان وقبل أن يقطف الصهاينة تمر المدينة المنورة ومكة المكرمة بعد أن سلبونا القدس مقدساتها و زيتون القدس وكروم فلسطين برمتها.
(( انتهى ))
الحواشي:
{} كتاب البهائية والنظام العالمي الجديد ، تأليف المحامي أحمد وليد سراج الدين ، مكتبة دار الفتح / دمشق
{} اللاستيطان الأجنبي في الوطن العربي ، د. عبد المالك خلف التميمي ، سلسلة عالم المعرفة / الكويت
{} الشرق الأوسط … السلام المر ، أولغا بيزييرا ، دار مورسيا للنشر / ايطاليا
{} عدة مقالات في الصحف الإيطالية بعد اتفاقيات اوسلو
{}تغيير العالم ،د.أنور عبد المالك،سلسلة عالم المعرفة / الكويت
تغيير العالم ،د. انور عبد المالك، سلسلة عالم المعرفة / الكويت
